بين "ترسانة الأسلحة في الإتحاد" والدعاية الإسرائيلية
تحت عنوان “خطر داهم في الإتحاد"، قرأت هذا الأسبوع مقالة كتبها الزميل هشام نفاع، وقد أعجبني إبداع هشام في مواجهة الدعاية الإسرائيلية، فهو مقنع تمامًا ولا يترك مجالا للشك أو التأويل او بناء أية نظرية للمؤامرة، رغم أن كل ما قام به هو أنه دخل مكاتب صحيفة "الاتحاد" (كما يفعل في كثير من الأيام) وتوجه إلى المطبخ جامعا كل ما طالته يداه من ادوات المطبخ. بعد ذلك قام هشام بترتيب الأدوات التي جمعها وصورها بطريقة تحاكي طريقة تسويق الجيش الإسرائيلي لأدوات المطبخ على متن سفن الحرية، على أنها ترسانة أسلحة وخطر داهم...
لم تمر الساعات حتى التقيت بـ "شاي"، وهو يهودي يعمل في الحراسة، يجمع بيننا زمالته لوالدي وسمنته المفرطة، حيث نتفق أنا وهو على أن الطعام ليس وسيلة للعيش إنما غاية، بل إنه إنجاز نطمح لتحقيقه أكبر قدر من المرات وبصورة دائمة وبكمية ملائمة (لأحجامنا طبعا). فيما عدا ذلك لا نتفق أنا و"شاي" على أي شيء، خصوصًا في الموقفين من السياسة والدين.
كعادته بدأ شاي بأي موضوع يستفزني، فاختار ما أطلق عليه "أحداث سفينة الجيهادستيم" (الجهاديين)، واصفًا نشطاء السلام على سفينة "مرمرة" التركية بالباحثين عن الجهاد. كذلك هي تحية شاي، مستفزة كما هو صاحبها.
بعد ساعات من العمل المضني الذي عدت منه لتوي، وجدت أن من الصعب علي أن أدخل مع هذا الـ"شاي" في جدال، أقرب الى المراء، مع مستوطن متدين، فأكتفيت بإبتسامة دون أن أنطق بحرف، ليعلق عليها قائلا: "طبعًا شاهدت الصور والأسلحة ولا يوجد لديك ما تقولين".
استطاع "شاي" أن يكسر صمتي بجملته الأخيرة، بل وإرغامي على رد فعل، معاكس تمامًا لرد الفعل الإسرائيلي، فأجبته على عجالة: "نعم وهي نفس الأسلحة الموجودة في صحيفة الإتحاد، بلغ عنهم ايضًا". هنا انتهى نقاشي معه، فأدرت ظهري وذهبت تاركة "شاي" يتسائل "عن أية أسلحة تتحدث؟!".
في اليوم التالي اقتربت سفينة "راشيل كوري" من ميناء غزة، وقد صمم المشاركون على إيصال المساعدات بكل ثمن لأهل غزة، لكن وبعد ساعة من إحتفال المتضامنين باقترابهم كثيرا من شواطئ غزة دون "حصادهم"، انقطع الاتصال معهم فجأة، لنعلم فيما بعد أن الجيش الإسرائيلي قام بالاستيلاء على السفينة واقتادها إلى ميناء أسدود.
في ساعات ما بعد الظهر، وبعد فترة من التعتيم الإعلامي الإسرائيلي على مصير السفينة ونشطاء السلام، قام الناطق الإعلامي بلسان الجيش بالتوجه للصحافة معلنا أن لديه صورا لعملية الاستيلاء، "فهل سترفضون؟!"
من الواضح أن الجيش الإسرائيلي تحضر هذه المرة جيدًا، فقد تحكم بتدفق المعلومات والصور منذ لحظة الإستيلاء، فاستطاع بذلك نشر رواية عمل على حبكها وطبخها في مطبخ لم يصله "شاي" من قبل. وفيما مـُنع الصحافيون من مقابلة النشطاء على سفينة "راشيل كوري" وطردوا (بناءً على شهادة الزميل الصحافي وليد العمري) من ميناء أسدود، قام الجيش الإسرائيلي بتوزيع بيان على وسائل الإعلام تضمن صورًا وفيديو مصور لعملية الاستيلاء، وجملة يتيمة لا غير: "النشطاء في سفينة راشيل كوري كانوا يختلفون عن النشطاء على سفينة مرمرة فلم يبدوا اية مقاومة، بل على العكس، قاموا بإنزال سلم السفينة للجيش الإسرائيلي حتى يستطيع أن يعتلي سطحها!".
كان بيان الجيش الإسرائيلي هذا، آخر ما عالجته تحريرا، قبل أن أخلي "موقعي" في الموقع ليستلمه زميل آخر لي لم يقطع استبدال زميلي لي في العمل حبل أفكاري حول الدعاية الإسرائيلية، فقد كانت أفكاري مشوشة بسبب الموضوع وتأججت مشاعري غضبا لما يحدث. أعلم جيدًا أنه وفي حالة "راشيل كوري" استطاع الجيش الإسرائيلي أن يقوي ويدعم روايته ودعايته حول ما حدث على سفينة "مرمرة". فقد قام، وبسبب عدم وجود صور للإستيلاء من مصادر أخرى، بالفصل بين "نشطاء السلام- الأتراك- المسلمين- المجهادين" ونشطاء السلام الأوروبيين، مشيرًا الى أن المعسكر الأخير مسالم وذو توجه سلمي!.
هل قاوم الركاب على سفينة "راشيل كوري"؟! أولم تجد قوات القرصنة الإسرائيلية ترسانة أسلحة مثل تلك التي وجدها زميلي هشام في مطبخ "الاتحاد"؟ خلال حديثي المتواصل مع ركاب السفينة طوال الليل، علمت أنهم عقدوا العزم على الوصول إلى غزة، بل إنهم رفضوا أي اقتراح من الجيش الإسرائيلي بالوصول الى ميناء أسدود، على أن يتم نقل البضائع بمراقبة الجيش إلى غزة. هذه المعلومات لا تترك مجالا للشك بأنهم قاوموا، ولا يوجد لدي أي شك بأن هنالك "ترسانة أسلحة" على سفينة "راشيل كوري"، لكن إسرائيل كانت أذكى في هذه الحالة، وأرادت حبك روايتها بصورة جيدة. وبرأيي نجحت إسرائيل بذلك، وكان هذا بمساعدة العديد من المختصين في مجال الإعلام، بالإضافة إلى عدد من الدخلاء على "الاختصاص في مجال الإعلام".
في صباح يوم الإثنين، 31 آيار 2010، بدأت القنوات الإسرائيلية والعالمية ببث صور المجزرة التي حصلت على متن سفينة "مرمرة" ومقتل نشطاء السلام. وفيما كان الحديث يدور عن مجزرة، ركز معظم الصحافيين الإسرائيليين خلال تغطيتهم للحدث على خسارة إسرائيل إعلاميًا أمام المجتمع الدولي، ولم تعد المسألة تتعلق بأرواح الناس، إنما بصورة إسرائيل. فعلى القناة الثانية ظهر بن درور يميني، وعلى القناة الأولى ظهر روني راهاب وعلى القناة العاشرة ظهر ايتمار رافينوفيتش، "وقلـّبنا" خلال كل ايام التغطية عشرات المختصين بمجال الإعلام من العالم أجمع.
دفع التركيز المفرط على الدعاية الإسرائيلية والتعامل معها بمفاهيم الربح والخسارة العديد ممن لا أدري ما اللقب الأحق بأن يطلق عليهم أو "إذا كانت لهم أية صفة تؤهلهم لتوبيخ وزارة الخارجية الإسرائيلية على ميزانيتها "المضحكة" في مجال الدعاية، والتي بلغت وفقًا لقسم البحوث في جامعة واشنطن عام 2009، نحو 40 مليون شيكل! ومن المتوقع أن تصل الى 45 مليون شيكل خلال العام 2010، وهي أكثر من ربع ميزانية وزارة الخارجية. أضف الى ذلك ميزانيات خاصة (أو للحالات الطارئة) تمت إضافتها للميزانية من أجل دعم مشاريع عينية "كتسويق إسرائيل"، وهو المشروع الذي بدأت إسرائيل بالعمل عليه عام 2008 وخصصت له ميزانية تقدر بـ12 مليون شيكل.
وليس هذا فحسب، بل إن كثيرين آخرين قاموا بالتجند طوعًا لأجل إنقاذ إسرائيل من هذا المأزق "الإعلامي"، فقد تم حصر القضية فقط بالجانب الإعلامي دون غيره، وكان هذا بقدرة قادر، وبمكر إسرائيلي اعتدناه.
لكن أكثر من أثارني بما كتبإنقاذا لإسرائيل، كان المحاضر المعروف في مجال الإعلام د. ايلي ابراهام، والمعروف بآرائه اليسارية. فقد كتب ابراهام في بحث أجراه على أداء الدعاية الإسرائيلية فيما يخص هذا الحدث تحديدًا، تلخيصا، وبخ من خلاله الجيش الإسرائيلي على عدم جاهزيته للرد الإعلامي، مشيرًا الى أن الجيش قام بالـ"دفاع" وليس "الهجوم"، مضيفًا: "لم يخرج من (اورشليم) أي رد فعل قوي يدمر روايتهم، كان على الجيش استعمال علاقة الركاب بالقاعدة، الأمر الذي كان من الممكن أن يضعف قوتهم أمام العالم".
لم يكن ربط الركاب بالقاعدة الفكرة الجهنمية واللامعة الوحيدة التي ابتكرها "ابراهام" فقد اقترح بالإضافة إلى ذلك عدة امور أخرى، فقال: "إسرائيل لم تستنفذ كل الوسائل المتاحة لها إعلاميا، وعلى الرغم من أنه صعب جدًا قول هذا، لكن عندما يكون القتلى من العرب تختلف الصورة كليًا، وذلك لأن اوروبيا واحدا يضاهي 10 أفارقة"!!! مستخفًا، بقصد أو بغير قصد، بالقتلى من أصل عربي وإسلامي. إن لم نطلق على هذه الطريقة بالتعبير اسم "العنصرية" مع سبق الإصرار والترصد.
المثير للاشمئزاز فعلا هو قلة من قاموا بالتريث والتفكير قبل دخولهم الى دوامة الدعاية الإسرائيلية والتحدث عن الموضوع بتلك المفاهيم. قلائل جدًا هم من فكروا وقالوا" "نعم، نحن خسرنا المعركة إعلاميًا لكن الدعاية الإسرائيلية لن تكون كبش الفداء لسياسة غبية".




















